يولد الإنسان علي الفطرة سواء كان مدينة أو قرية أو نجع وسواء كان من أسرة أرستقراطية أو متوسطة أو متواضعة الحال. وجمال الفطرة في التساوي في البدايات ثم تتوالى أحداث الحياة بحلوها ومرها ويتعاقب الزمان والمكان علي الإنسان فيكتسب طبقة فوق طبقة حسب البيئة التي نما فيها أو ارتحل إليها فتتغير ملامح سلوكه وأفعاله وملامح وجهه. وعلي قدر عدد الطبقات وتنوعها وسمكها وطبيعتها يبدوا الإنسان لنفسه وفي عيون الآخرين كشجرة مثمرة أو جرداء أو ما بين هذا وذاك. فمن فطرة الميلاد إلي شجرة الحياة طبقات فوق طبقات يلقيها علينا الزمان والمكان ليشكل منا جسد وإنسان.

وأنا عاشق للترحال والسفر داخل مدائن الوطن عبر نهر النيل العذب أو خارج الوطن عبر البحار المالحة. ويأخذنا القدر في محطات مراحلنا العمرية إلي أماكن وأزمنة لم نكن أبدا نتوقعها ولا نحلم بها أو نفكر فيها. فكيف لي وأنا طفل صغير مولود في قرية صغيرة علي ضفاف فرع النيل أن يفكر في رحلة حياة إلي اليابان أو أمريكا أو الصين.  ولكن هذا ما حدث معي حتي أصبحت في داخلي خليط من الذكريات والمعارف والعادات والتقاليد والثقافات تجمعت فيّ عبر رحلاتي في المدن من أقصي الشرق الي أقصي الغرب.

وبدأت رحلات المدائن معي منذ الطفولة أثناء مشواري اليومي من قريتي دهتورة إلي مدينة زفتي والتي لا تتعدي المسافة بينهما الأربع كيلومترات. وكانت تلك الرحلة هي أول رحلاتي التي جعلتني أنتقل من القرية بطبائعها المميزة في ذلك الوقت من تقارب الأفكار والطموحات بين الناس وفي هدوء النهار وسكون الليل إلي المدينة بصخب نهارها وصخب وتنوع طموحات أهلها وجرئتهم في التعبير عن مقاصدهم وأفكارهم ودوافعهم. ولأني بطبيعتي أميل إلي التمعن فيما حولي وتحليله والخروج بملاحظات قد تتحول إلي ثوابت، فقد أضافت إلي هذه الرحلة من دهتورة إلي زفتي طبقة من الفكر والأدب والرقي والطموح جعلتني أبدوا أكبر من عمري بالنسبة لأقراني في طريقة تناول الأمور والإنخراط فيها رغم ما كنت أتصف به من خجل في ذلك الوقت.

كانت رحلة غنية جعلت صبيا مثلي يشعر بالنهم في تعلم كل شيء جديد يراه حوله سواء من أصدقاءه الجدد أو أساتذته أو الناس في الشارع بطبائعهم المختلفة عن طبائع وهموم أهل الريف في ذلك الوقت. رحلة طويلة ولكني لم أشعر بطولها ولا عرضها لأن كل يوم فيها كان جديدا بالنسبة لي حتي ولو كانت أحداثه كمثل ما قبله.

ست سنوات كاملة ثلاثة، في الإعدادية في مدرسة الشهيد أبو الخير وثلاثة في الثانوية في مدرسة كشك الثانوية العسكرية. ست سنوات كانت من الممكن أن تضيف لعمري ثلثا آخر وكفي مع بعض المعارف والعلوم، ولكني خرجت منها إنسانا له رؤية ورسالة وهدف في الحياة في هذا الوقت المبكر من العمر الذي لم يكن يشغل تفكير أقراني فيه سوي اللعب واللهو والتفكير في الجنس الآخر.  

وقد انعكست هذه الطبقة علي أحلامي بطريقة لا أقصدها ولكنها فوق عمري آنذاك بكثير. فعندما سألني أحد أساتذتي في حديث خاص بعيد عن باقي الطلبة لأنه كان يتابعني جيدا عن كثب: ماذا تشعر تجاه هذا العالم الآن يا محمد؟ كان ردي والذي مازالت أتذكره جيدا حتي اليوم وكأن أستاذي ماثل أمام عيناي وأنا أكتب هذه السطور، أشعر أني مسئول عن هذا العالم. وساعتها ابتسم لي ابتسامة شعرت منها أنه يشفق علي من الآن فكيف لصبي لا يزيد عمره عن أربعة عشر عاما ويشعر بهذا الحمل الرهيب.

لا دري كيف وصلت إلي هذا الرد ساعتها بعفوية مطلقة لم أفكر فيها ولم أسمعها من أحد قبلي ولكن ما أدركه تمام أن هذا الإحساس كبر معي وأصبح جزءا من مشاعري وأفعالي حتي وأنا أعلم تماما أنه فوق طاقة حتي من يمتلك مقاليد الأمور ولكنه بقي شعور دفين بالمسئولية علي الأقل لمن حولي.  حتي الرومانسية التي أصابت قلبي وقتها وأنا في الثانوية لم تكن رومانسية اللهو والشهوة بل كانت رومانسية حالمة عفيفة أخذتني إلي عالم آخر كا غريبا عن أقراني. رومانسية فجرت في نفسي ينابيع الأدب التي كنت أتحسسها في جوانحي وأشعر بماء الأدب ينضح منها علي جدران قلبي وعقلي بين الحين والآخر. أما بعد أن أصابتني سهام الحب العذري وأنا علي وشك إنهاء الثانوية حتي تفجرت تلك الينابيع حتي كدت أن أغرق فيها لولا أني قمت ببناء سورا ليس بعالي ليحمي تلك الينابيع من الفيضان لأبقيها بلا ضرر ولا ضرار. 

وكانت ثاني رحلات المدن الكبيرة في حياتي رحلتي من زفتي الي طنطا بعد انتهائي من مرحلة الثانوية. وهذه الرحلة التي بدأت في ١٩٨٠ كانت بمثابة الانطلاقة الكبري في بلورة شخصيتي التي تكونت أثناء المرحلة الابتدائية حتي الثانوية.  فإذا كانت العجلة هي الوسيلة التي كانت تنقلنا من دهتورة إلي زفي في الثانوية وأقدامي في الإعدادية، فقد جاء القطار ليمثل عالما آخر ووسيلة كنت أعرقها في الذهاب والإياب طوال الأربع سنوات الجامعية.

وكما كان المشي سيرا علي الأقدام من دهتورة الي زفتي يمثل صالونا للنقاش وحلبة للدفاع وطريقا للنجاح علي قدر الأقدام السائرة، فقد كان القطار من زفتي إلي مدينة طنطا بالنسبة لي مدينة متنقلة تجري بالناس والناس فيها كل في عالمه ولكن لا مانع أن تتشابك العوالم من وقت لآخر. وهذا كان القطار لي عالما مفتوحا أراقب فيه الناس حتي صبح الناس هم همي الأغبر وهم لا يدرون.

وشكلت تلك الرجلة اليومية وما يتلوها كل يوم من محاضرات ولقاءات ومناقشات وصداقات واختلافات في أروقة الجامعة طبقة أخري في شخصيتي العلمية والأدبية والثقافية والاجتماعية جعلتني أبدوا أكثر حكمة وأوسع معرفة وأكثر خبرة.

وهكذا مثلت هذه  مرحلة الجامعية لي بئر لا ينضب أبدا تمنيت ألا ينتهي ولكنه انتهي علي أية حال بنتيجة موفقة كانت كافية ليتم تكليفي معيدا بكلية العلوم ليبدأ مشوارا آخر في حياتي في طنطا وينتهي في طنطا مرورا كريما بمشوار حياة في اليابان ومثله ويزيد في أمريكا وعلي عجل بالصين وإيطاليا وكندا وماليزيا والأردن والإمارات والسعودية. رحلة صنعت ما بي الآن من كل معارف وتناقضات وطموحات وإنجازات وإخفاقات. رحلة سعيد بها رغم أني غير راض عن كثير من المحطات بها.   

بالطبع عملي معيدا في الجامعة جعل فكرة الحلم بالسفر إلي الخارج ترواودني حتي بهدف الحصول خبرات دولية تثقل شخصيتي العلمية والاجتماعية وتجعلني قادرا علي نقل هذه الخبرات من مهدها إلي مصر تماما كما فعل الأوائل مثل محمد عبده ورفاعة الطهطاوي وطه حسين وغيرهم من أوائل المبعوثين إلي أوروبا. 

ولم يخطر علي بالي أبدا أن تطأ قدامي أرض اليابان أو أتعلم لغتها وأتحدثها وأن يكون لي أصدقاء يابانيين بل وأتعلم في الجامعات اليابانية وأجري أبحاثا في معاملها. لم يخطر علي بالي أبدا أي من هذه الأفكار لا قبل المرحلة الجامعية أو أثناء دراستي الجامعية أو حتي دراسة الماجستير. فاليابان لي كانت كلمات نقرأها في الكتب المدرسية، وماهي لي سوي شعب جاد يعمل ليل نهار، مؤدب، متواضع، خسر الكثير جراء إلقاء القنبلة النووية علي هيروشيما ونجازاكي. ولم يجل بخاطري أن أحصل علي بعة دراسة يوم ما وأقضي في اليابان وفي أجمل مدنها خمسة أعوام ونصف من عمري كانت مليئة وغنية بالأحداث التي أضافت لي العديد من الطبقات التي صقلت صفاتي العلمية والأدبية والإنسانية. ولم يكن الأمر يسيرا ولكنه تحقق مرتين هما من أجمل محطات حياتي.

الرحلة الأولي بدأت في أكتوبر ١٩٩٢ عندما حصلت علي بعثة لدراسة الدكتوراة خارج أرض الوطن اخترت فيها ألمانيا في بادئ الأمر ولكني غيرتها إلي اليابان لأقضي عامين وثلاثة شهور في مدينة فوكوكا الحبيبة. والرحلة الثانية بدأت في أكتوبر ١٩٩٧ عندما حصلت علي منحة من وزارة التعليم اليابانية لأقضي ثلاثة سنوات ونصف بنفس المدينة ونفس الجامعة ونفس المعهد لأحقق إنجازا لم يحققه أحد مثلي من جامعتي في ذاك الوقت.  وتمثلت هذه الرحلة في حياتي كمشكاة أنارت طريقي وأضافت طبقات عديدة لشخصيتي العلمية والأدبية والاجتماعية والثقافية والإنسانية ثم تبعتها بطبقة أخري دولية حتي أصبحت رجلا يعيش بقلب مصري وعقل ياباني. 

ظننت أن هذه الطبقة اليابانية التي صقلت أديم شخصيتي هي آخر الطبقات التي كنت أحتاجها لكي أكون متميزا ومميزا في عملي وبيتي والشارع وبين الناس. ولكني فوجئت أني دائم البحث عن طبقة أخري، لست أدري ما هي. ولكني أشعر بحاجتي إلي طبقة أكثر سمكا ولمعانا وبريقا، طبقة تعكس ما بداخلي وتعكس ما في عقول الناس. وفي النهاية أدركت أين توجد هذه الطبقة المتميزة. وجدت سوقها الأكبر في أمريكا فأصبحت شغوفا جدا بتغيير مسار رحلاتي من اليابان إلي أمريكا. ومع أن الأمر لم يكن يسيرا إلا أنني وبعد عدة محاولات حصلت علي صك الذهاب الي أمريكا والعمل هناك في أحد معاملها وجامعتها المتميزة. وبعد عام واحد من عملي هناك كباحث بعد الدكتوراة فتح الله عليّ وترقيت الي استاذ مساعد بذات الجامعة رغم أن هذا الترقي لم يكن ببالي ولم أطلبه وفي ذلك قصة رائعة سوف أقصها في حينه.

وفي معهد الأورام بالجامعة الطبية بكارولاينا الجنوبية بمدينة تشارلستون التاريخية التي تقع علي الساحل الشرقي للمحيط الأطلنطي بدأت مسيرة حياة غنية جدا بأحداثها استمرت لأكثر من تسعة أعوام بدأت في يونيو ٢٠٠١ لتنتهي في أغسطس ٢٠١٠ بعد أن قدمت استقالتي لعميد كلية الطب عن اختيار سوف أقص ملابساته التي دفعتني لاتخاذ هذا القرار الجريء آنذاك. ورغم عودتي إلا أني مازلت علي تواصل علمي مع المدرسة العلمية هناك ومن ناحية أخري لوجود أولادي هناك للدراسة والعمل بعد أن قرروا ذلك منذ خمس سنوات (منذ ٢٠١٤) بعد محاولاتهم المستميتة للنجاح في مصر.  

وقد كانت تلك سنوات بما لها وما عليها من أهم فترات حياتي والتي أصقلتني بالفعل بطبقة بها بريق ولمعان لا ينطفأ أبدا طالما تحافظ عليها وتعتني بها ولو من وقت لآخر. طبقة ليست للتباهي ولكن طبقة مملوءة بالثقة في علمك وفي أخلاقك وفي قدرتك علي النجاح في مجتمع لا يعترف إلا بالناجحين أيا كانت جنسيتهم ولغتهم وثقافتهم وأيا كان عمرهم ودينهم وأصلهم. عالم مزيج من الثقافات والديانات واللغات والعادات ولكنه عالم قوي يجري بالعلم وبجري وراءه العالم.

ولذلك فقد أصقلت فيّ هذه المرحلة صفات القدرة علي إدارة فريق متباين في كل شيء إلا الهدف. وفجرت فيّ مشاعر الغربة والحنين إلي الوطن، ومنحتني الفرصة للتعبير عن مشاعر المسئولية التي تجري بداخلي منذ طفولتي. فقد قمت بإعطاء الفرصة لزملائي وطلابي للعمل في معملي بأمريكا وتحت إشرافي وبدعم من مشروعاتي البحثية في نموذج ناجح بكل المقاييس لم يحدث من قبل. بالإضافة لتنفيذ مشروعات واتفاقيات دولية وزيارات الي جامعتي الأم في طنطا فقط من دافع الشعور بالمسئولية تجاه من حولي بالطبع علي قدر ما امتلكه من مقومات المسئولية. ولذلك فرحلتي إلي أمريكا كانت أم الرحلات وكانت هي اللبنات الأخيرة التي أكملت وزينت طريق الرحلات الطويل الذي بدأته من دهتورة وأنهيته في أمريكا بنجاح. 

وكانت رحلتي من مدينة تشارلستون بولاية جنوب كارولاينا بأمريكا هي رحلتي الأخيرة عبر البحار والتي كنت أظنها كذلك، ولكن لأن شغفي بالترحال وخاصة للأماكن الجديدة والمدائن البعيدة فقد أخذتني الفرصة لزيارة الصين وقضاء شهرا كاملا كان له الأثر الطيب في نفسي وذكرني بالرحلات القصيرة التي استمتعت بها أيما استمتاع في إيطاليا وكندا وماليزيا والأردن والسعودية والإمارات. 

ولأن الطائر لا بد أن يعود إلي عشه ولو بعد حين، فقد عدت إلي طنطا مدينتي الحبيبة التي أشعر فيها بالدفء والاطمئنان. عدت بعد مشوار طويل من الرحلات لأبدأ رحلة جديدة قديمة. جديدة في المعاني والمهام وقديمة في بدايتها وذكراها. بدأت رحلتي هنا في طنطا في ٢٠١٠ لتبدأ سلسلة من التحديات العملية والاجتماعية توجت بالنجاحات ولم تخلوا من الإخفاقات ولكن كانت بصمة النجاحات في العمل هي الغالبة والتي انعكست في كثير من الإنشاءات التي لن يمحوها الزمن مهما تغيرت الأسماء.

وتمثلت النجاحات في مدرسة علمية رصينة بطول البلاد وعرضها في مجال دراساتي البحثية وهو المناعة والأورام ويغمرني الله بعطفه وأفوز أثناء المشوار بثلاث جوائز من الدولة وجائزة من جامعة طنطا تجعلني أشعر أن مشوار الحياة الذي نخطوه عن عمد وعن اقتناع وعن رسالة وهدف لا يضيعه الله أبدا ولو حاول البشر أن يضيعوه. 

ولأن التاريخ يكرر نفسه في الأمكنة والأزمنة المختلفة وفي أشخاص مختلفة، فقد وردت إلي فكرة نقل مشواري هذا في المدن وذكرياتي فيها إليكم ليس بغرض السرد القصصي أو الذاتي ولكن للتدبر في بعض أحداثها التي قد نجد أنفسنا فيها هنا أو هناك فنعيشها ونتفاعل كيفما نشاء.  

فإليكم محطات بعينها في هذا المشوار الذي كنت أظنه طويلا ….

أنا لا أتصور أبدا الحياة من دون ذكريات حتي ولو كانت حزينة ومؤلمة ,
فالذكريات رزق وإرث وكان الله في عون من فقد نعمة الذكريات. وأصعب
المشاعر في الذكريات أننا لا نستطيع لمسها أو تغييرها , والأصعب أنها لا تعود
وأننا نحاسب عليها امام الله.
جعل الله واقعنا جميلا طيبا لتون ذكرياتنا جميلة ولنكون ذكري طيبة في عقول وقلوب الناس.

2 comments on ““مقدمة كتاب “انا والمدن

  1. Take a break from your Jim Rohn collection to read some romance novels without feeling guilty. Write a short story without worrying about whether it’s good.

Leave a Reply

Your email address will not be published.