https://arsco.org/article-detail-32017-16-0?fbclid=IwAR2Ga1T0gJ-jCveCw10vgmmNu739gyyNCfn4tQHK60s9r_wgmli4dc-oiII

https://arsco.org/article-detail-32017-16-0?fbclid=IwAR2Ga1T0gJ-jCveCw10vgmmNu739gyyNCfn4tQHK60s9r_wgmli4dc-oiII

صفات الإنسان والكثير من سلوكه معبأ في 46 كروموسوما تلتف حول نفسها ككرة في نواة كل خلية. ومع أن جميع الخلايا تحتوي على نفس عدد الكروموسومات ونفس عدد الجينات، إلا أن كل خلية تقوم بتشغيل عدد محدد من هذه الجينات حسب طبيعة وظيفتها.  وهناك اعتقاد خاطئ بأن تطور وقوة الكائن الحي يتناسب طرديا مع عدد الكروموسومات بخلاياه. سوف نوضح ذلك في هذا المقال. 

الكرُومُوسُوم Chromosome مصطلح مشتق من الكلمة الإغريقية  chromosoma، حيث chroma تعني لون و soma تعني جسم. الكرُومُوسُوم هو شريط مكون من حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين ملتف حول بروتينات تسمى هستون. وتلتف جميع الكروموسومات على بعضها البعض لتكون كرة مكثفة من الخيوط في منتصف النواة، تماما كالكرة “الجلة” التي كنا نصنعها ونحن صغار بلف الخيط السميك حول بعضه ثم وضع الغراء عليه. ولا تنفك هذه الكرة إلا إذا دخلت الخلية في طور الانقسام. ويمكن رؤية الكروموسومات تحت الميكروسكوب الضوئي فقط عندما تبدأ الخلية في الانقسام حيث تتجمع كل الكروموسومات بشكلها المتكثف في منتصف الخلية. وقبل أن يحدث ذلك، يقوم كل كروموسوم بنسخ صورة طبق الأصل منه، وترتبط النسخة الجديدة من كل كرموسوم بالكروموسوم الأصلي عبر منطقة تسمي سنترومير  (centromere) ليظهرا على شكل حرف X وذلك إذا كان موقع السنترومير قرب الوسط، أو يأخذ شكلاً مكوناً من ذراعين فقط (بشكل \/ تقريباً) عندما يكون موقع السنترومير قرب نهاية الكروموسوم. في هذه المرحلة يدعى كل من الكروموسوم الأصلي والمنسوخ منه بالكروماتيد. وللسهولة يطلق مصطلح الكروموسوم لوصف الكروماتيدين المتحدين. 

يتراوح عدد الكروموسومات في نواة الخلية من زوج واحد إلى مئات من الأزواج حسب نوع الكائن الحي. وكما هو معلوم، يحتوي كل كروموسوم على وحدات صغيرة تسمى الجينات. كل جين مسؤول عن أو يشترك في تكوين بروتين محدد يقوم بوظيفة محددة. وكل كروماتيد يحمل عشرات الآلاف من الجينات (60,000 إلى 100,000 جين) وكل جين له موقع خاص به على الكروماتيد مشابه بالضبط لموقع نفس الجين على الكروماتيد المقابل له. وكل جين بدوره يتألف من سلسلة من النيوكليتدات التي تتكون بدورها من وحدات صغيرة من القواعد النيتروجينية. ومن الممكن تشبيه الكروموسوم بالجملة والجينات بالكلمات التي تكون الجمل والقواعد النيتروجينية بـالحروف التي تشكل النيوكليتيدات في كل جين. وتختلف عدد الجمل وعدد الكلمات والقواعد من كائن حي إلى آخر.

وجود الخلايا الحية سواء في الكائنات وحيدة الخلية (مثل البكتيريا والأميبا والبارامسيوم والإيوجلنا) أو في النبات والحيوان والإنسان يعتمد على وجود الكروموسومات المسؤولة عن تكوين البروتينات من ناحية ومن ناحية أخرى للمحافظة على تعاقب الأجيال. ويبلغ قطر الخلية حقيقية النواة حوالي 10 ميكرون (µ) (الميكرون وحدة تساوي جزء من مليون من المتر، µ=10-6)، مما يجعل حجمها حوالي 1000 مرة من حجم البكتيريا. وكما في خلية البكتيريا، تحتوي الخلايا حقيقية النواة على أغشية الخلايا، والبروتينات الموجودة في السيتوبلازم، والحمض النووي، والريبوزومات، وإن كانت مختلفة نوعًا ما عن مثيلاتها الموجودة في الخلايا بدائية النواة. 

وعلى عكس الخلايا بدائية النواة والتي تتحرك فيها الكروموسومات (الأحماض النووية) بحرية في السيتوبلازم، فإن الحمض النووي للخلايا حقيقية النواة لا يختلط بحرية مع السيتوبلازم، ولكنه يوجد داخل النواة ومحاطا بالغشاء النووي. 

ويمكن للبروتينات الصغيرة التي يقل وزنها الجزيئي عن 20 إلى 40000 الدخول بحرية إلى النواة من خلال الغشاء النووي. أما البروتينات الكبيرة والحمض النووي الريبي النووي فيدخل إلى النواة من خلال مسام نووية خاصة. والحمض النووي نفسه معقد بشدة حيث يلتف حول مجموعة من البروتينات تسمى الهستونات، والتي وظيفتها الرئيسية مساعدة الحمض النووي على الاحتفاظ بالحالة المكثفة له. وعندما تنقسم الخلية، يقوم جهاز خاص يسمى المغزل، والذي يتكون من جزء من الأنابيب الدقيقة، في سحب الكروموسومات إلى الخلايا الوليدة.

ويختلف طول الجينات في كل كروموسوم إلى اختلافات واسعة، فبعضها يصل طوله إلى مئات الأزواج القاعدية وآخر قد يصل طوله إلى آلاف من الأزواج القاعدية، وهي تقوم بإنتاج أنواع مختلفة من البروتينات والإنزيمات اللازمة لتكوين الجسم والقيام بالوظائف الحيوية. وبين الجينات على الدنا توجد آلاف من أزواج القواعد لا يزال البحث في دراستها جاريا، فهي تبدو حالياً كما لو لم يكن لها وظيفة. فعلى سبيل المثال، يبلغ الوزن الجزيئي للحمض النووي لكروموسوم الإشريكية القولونية حوالي 2 × 109، وبالتالي يبلغ طوله حوالي 3 x 106 أزواج قاعدية. نظرًا لأن المسافة بين أزواج القواعد في DNA تبلغ حوالي 3.4 انجستروم (Å) (الانجستروم وحدة طولية تبلغ جزء من مائة مليون من المتر، Å=10-8)، فإن طول الكروموسوم هو 107 Å أو 1 مليمتر. ويعتبر ذلك طويل جدًا مقارنة بطول 104 Å, للخلية البكتيرية، وذلك لجعل الحمض النووي يتحرك بحرية ذهابًا وإيابًا عدة مرات داخل الخلية. وتُظهر فحص الخلايا بالمجهر الضوئي للخلايا البكتيرية الحية وبالمجهر الإلكتروني، أن المساحة التي يشغلها الحمض النووي داخل الخلية غالبًا ما تقتصر على جزء بأبعاد أقل من 0.25 µ. 

ويعتقد الكثير من الناس أنّ درجة تعقيد وتطوّر الكائن الحي تستدعي بالضّرورة أنْ يكون عدد الكروموسومات في خلاياه أكثر من عدد الكروموسومات في خلايا الكائنات الأقل تعقيدا وتطوّرا. ويعتقد البعض أيضا أن خلايا الإنسان، وهو الكائن الحي الأكثر تطورا، بها أكثر عدد من الكروموسومات. وفي الحقيقة هذا الاعتقاد خاطئ، ولتوضيح ذلك يكفي أن نعرف أنّ عدد كروموسومات الإنسان 46 كروموسوماً، في حين أنّ عدد كروموسومات الكلب 78 كروموسوما والديك الرومي 82 كروموسوماً والفراشة 380 كروموسوماً والحصان، الذي نقيس به قوة السيارة، مجرد 64 كروموسوماً والبعوضة 6 كروموسومات ودودة الإسكارس التي تصيب أمعاء الانسان مجرد كروموسومين اثنين. 

وكما أن عدد الكروموسومات في الكائن الحي لا يدل على درجة تطوره، فكذلك ليس ضروريا أن يكون اجمالي عدد الجينات في الحيوان الذي يحتوي على عدد أقل من الكروموسومات أصغر من تلك التي في الحيوان الذي يحتوي على عدد أكبر من الكروموسومات. فعلى سبيل المثال، فإن اجمالي عدد الجينات في الذبابة والتي تحتوي على 6 كروموسومات هو 12 ألف جين مقابل حوالي 25 ألف جين في الانسان والذي يحتوي على 48 كروموسوماً. 

بل إن عدد الكروموسومات في نفس النوع من الحيوانات قد يختلف. فعلى سبيل المثال، يوجد نوعان من الضّفادع التي تتشابه تماما في الشّكل وهما ضفدع الأشجار الرّمادي الشّرقيّ، وضفدع الأشجار الرّمادي الجنوبيّ، فعلى الرّغم من التّشابه الظّاهري بين النّوعين إلا أنّ العلماء اكتشفوا أنّ عدد كروموسومات الضّفدع الأول هي ضعف عدد كروموسومات النوع الثّاني، وترتّب على ذلك اختلاف في حجم الخلايا، وفي درجة صوت النّقيق، حيث يكون نقيق الضّفدع الشّرقيّ أكثر عمقا من نقيق الضّفدع الجنوبيّ. وقد تكون الحكمة وراء هذا الاختلاف في عدد الكروموسومات رغم التشابه، ألا يختلط الأمر على تعامل الضفادع وخاصة عند التزاوج، وحتى تتمّكن أنثى كل نوع من تمييز الذّكر الذي يُمكن أنْ تتزاوج معه وليس الآخر.

وفيما يلي أمثلة لأعداد الكروموسومات التي تحتوي عليها الحيوانات من العدد الأكبر إلى الأقل بغض النظر عن تطور الحيوان:

خلايا الفراشة بها 380 كروموسوماً. الجمبري (الرّوبيان) 254. سرطان حدوة الحصان (ملك السّراطين ويشبه الكابوريا) 208. سمك الشّبوط 104. الديك الرومي 82، الغراب 80، الذئب 78، الدجاج 78 الكلب 78 كروموسوماً. الحصان 64 كروموسوماً، الحمار 62، البغل 63، البقرة 60، دودة القز 56، الفيل 56، الخروف 54، القرد 48، الشمبانزي أو الغوريلا 48، الأرنب البري (الوحشي) 46، الإنسان 46، الأرنب 44، الهامستر 44، الجرذ 42، الضباع 40، الفأر 40، الفهد 38، القط 38، الخنزير 38، ثعلب 36، نجمة البحر 36، دودة الأرض 36، الأميبا وهي حيوان وحيد الخلية يحتوي على 27 كروموسوم في الخلية الواحدة التي يمتلكها، الضّفدع 26، الحلزون 24، الحمامة 16، خنزير غينيا 16، الذبابة المنزلية 12كروموسوماً أما ذبابة الفاكهة “الدروسوفلا” فيها 8 كروموسومات والبعوضة 6، أما خلايا دودة الإسكارس يوجد بأنويتها 2 كروموسوم فقط لا غير.

وفيما يلي أمثلة لأعداد الكروموسومات التي تحتوي عليها النباتات. فخليَّة البطاطس تحتوي على 48، وخليَّة الطماطم على 24، وخليَّة الشِّمَّام على 22، وخليَّة الفجل على 18، وخليَّة الملفوف على 18 كروموسوماً. خليَّة البصل على 16، وخليَّة الخيار على 14 كروموسوماً. 

وجينوم الكائنات الحية قد يتشابه أو يختلف اختلافا كبيرا على مستوى عدد الأزواج القاعدية أو تتابعانها على شريط الحمض النووي.  فبالنسبة للإنسان تحتوي نواة الخلية في الكروموسومات على الدنا الذي يتكون من ثلاثة مليارات زوجا قاعدياً، في حين أن الجينات وهي المسؤولة عن تركيب الجسم وأعضائه والنمو والبلوغ وتكوين البروتينات المختلفة والإنزيمات ذات الوظائف المتعددة فيبلغ عددها 22500 جين، وهي موزعة على 46 من الكروموسومات في الإنسان، ومجموعهم يشكل الدنا. إذا حدث خلل في تركيب أحد الجينات فقد تكون له عواقب وخيمة على سلامة وصحة الفرد.

والكلاب قد تكون هي الصديق الأفضل للبشر، ومن الطريف وجود تشابه الحمض النووي بين البشر والكلاب بنسبة 84%، هذه العلاقة الوثيقة تجعل من الكلاب مفيدة بشكل خاص لدراسة أمراض مختلفة مثل إعتام عدسة العين ومرض شبكية العين الذي يؤثر على كل من البشر والكلاب معاً. ومع أنه لا يبدو هناك أي شبه بين الفئران والبشر، لكن مسودة الخريطة الجينية للفئران تظهر أنه يوجد تشابه كبير بينها وبين البشر، فلدى كل من الإنسان والفأر 30 ألف جين وجد أن فيهم تشابه بدرجة 99%، بل إن البشر والفئران لديهما 90% من الجينات المتماثلة والمرتبطة بالأمراض. حتى أن الجينات التي يمكن أن تؤدي إلى نمو ذيل موجودة في الإنسان. ولذلك تضافرت جهود العلماء في أنحاء مختلفة من العالم للتوصل إلى مسودة كاملة للخريطة الجينية للفئران والتي نشرت في دورية نيتشر العلمية. أما البشر والدجاج فلديهم 65% من نفس الجينات. وبحسب دراسة نشرت في 2009 في مجلة العلوم، فإن البشر والبقر يتشابهون في 80% من الحمض النووي. ومن الطريف أن أساطيرنا الفرعونية، كانت تعتبر الإلهة “حتحور” إلهة الأمومة والخصوبة شيء مهم جدًا لدرجة أنهم كانوا يرمزون للإلهة بالبقرة. أما القطط، فقد نشرت دراسة في 2007 نشرت تقول إن التشابه بين الإنسان والقطط في موضوع الحمض النووي يصل تقريبًا لنسبة 90%، وأقرب نوع للإنسان هو القط الحبشي/المصري Egyptian Mau، والتي لها رسومات على جدران المعابد الفرعونية. والعجيب أن هناك علاقة قوية بين الموز والإنسان، إذ أن الموز يشابه البشر بـ 50% من الحمض النووي.

وليس من الضروري أن يكون اجمالي عدد الأزواج القاعدية في الجينات متناسب مع عدد الكروموسومات، فهناك أيضا مفاجآت. فمع أن عدد الجينات في الانسان 22,500 وتحتوي على  3×109 من الأزواج القاعدية، إلا أن عدد الجينات في بقّة الماء 30,907 وتحتوي على 2×108 من الأزواج القاعدية. وعدد الجينات في الذبابة المنزلية 12,000 وتحتوي على 1,6×108 من الأزواج القاعدية. وعدد الجينات في الفطر مثل عيش الغراب حوالي   6000 وتحتوي على 1,3×107 وعدد الجينات في البكتريا 180-7000 وتحتوي على حوالي 105−107 زوج قاعدي. وعدد الجينات في الفيروسات المكونة من DNA 10–300 تحتوي على 5.000–200.000 من الأزواج القاعدية. وعدد الجينات في الفيروسات المكونة من RNA 1–25 تحتوي على 1.000–23.000 من الأزواج القاعدية.

وبهذا نرى أن العلاقة بين كبر أو صغر حجم الجينوم وما يحتويه من الجينات ليس بالضرورة أن يتناسب مع تطور وظائف الكائن الحي أو حجمه. فهناك كائنات صغيرة الحجم جدا ولكن عدد الكروموسومات فيها يقترب أو يزيد بكثير عن حجم جينوم الإنسان وهو أرقى الكائنات الحية وظيفيا نتيجة لوجود العقل. ولكن قد يكون عدم وجود عقل في الكائنات الأخرى هو السبب الرئيسي وراء وجود عدد أكبر من الجينات لكي تستطيع هذه الجينات القيام بوظائفها بدون الاعتماد على العقل. فوجود العقل قد يجعل الإنسان قادرا على توظيف أمثل لنواتج عدد أقل من الجينات. كما أن وجود آلية للتباديل والتوافيق في استخدام الجينات مع بعضها البعض حتى لو كان عددها قليل دور أكبر في اتساع مساحة هذه الجينات بصورة أكبر من عدد كبير للجينات بدون تباديل. وهناك الكثير من الجينات المسؤولة عن تخليق البروتين الخاص بها وفي نفس الوقت تشارك في تخليق بروتينات أخرى بالتعاون مع جينات أخرى سواء كانت تقع بالقرب منها في نفس الكروماتيد (الكروموسوم) أو كروماتيد آخر. وبهذا يعادل الجين الواحد في هذه الكائنات أكثر من جين في كائنات أخرى لا يوجد بها مشاركة جينية كبيرة.


ومازال العلماء يحاولون الكشف عن المزيد من أسرار الحياة الكامنة في رحم الكروموسومات والتي قد تحتاج عقودا لنفهم القليل منها. فسبحان الله أحسن الخالقين.

المراجع

Leave a Reply

Your email address will not be published.